التوحيد والإصلاح بوجدة تعزي في والدة الأخ علي السباعي        التطبيع.. مقاربة تاريخية. د.محمد بالدوان        رشيد أيلال: حينما يتوهم الجهل أنه يفكر ويبدع ! بقلم: ذ. مصطفى يعقوبي        التحقيق الصحفي من أجل البيئة (ثانوية الشريف الإدريسي)        باك 2021، حصة الاستعداد7: ما أحتاجه لتحليل قصيدة شعرية        الكليات الخمس والقيم الإنسانية، ذ مصطفى بنحمزة        شقيقة الأخ يحيى مالكي في ذمة الله        التوحيد والإصلاح بوجدة تنظم دورة تربوية لفائدة أعضائها يومي السبت والأحد        علاج التوتر.. عبد الخالق نتيج        التوحيد والإصلاح بوجدة تعزي في وفاة والد الأخ محمد معاش        منتدى (طيب المسك): الجليس الصالح كحامل المسك        مناورات شيوعية.. د.محمد بالدوان        الأخ الأكبر للأستاذ عبد العزيز أفتاتي في ذمة الله        انحياز المظهر.. ماذا يعني؟ عبد الخالق نتيج        الأستاذ عبد المجيد بنمسعود في ذمة الله        احذر يا صديقي كلمة (ياليتني !!)        قياس مؤشر التدين لدى الشباب المغربي على غرار قياس مؤشرات مادية مغالطة        قالب المعتقدات الكابحة، المدرب عبد الخالق نتيج        (( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ))        شتّان بين من يخدم الإسلام ومن يستخدمه       
الكليات الخمس والقيم الإنسانية، ذ مصطفى بنحمزة

الحور بعد الكور .. ذ محمد غوردو

الوباء عٍبراللحظة واستشراف ما بعدها، ذ مصطفى بنحمزة

التطبيع ركون للظالمين ورفضه يظل السلاح الأقوى بيد الشعوب العربية والإسلامية

ندوة العلاقات الرضائية والفضاء الخاص ، مركز المقاصد للدراسات والبحوث

Le conflit israelo-palestinien

حكاية فتح القسطنطينية ومشاهد لأسوار وقلاع المدينة

مع المُدرب عبد الخالق نتيج: مهارات حياتية (1)

مقالات وآراء >
رشيد أيلال: حينما يتوهم الجهل أنه يفكر ويبدع ! بقلم: ذ. مصطفى يعقوبي
رشيد أيلال: حينما يتوهم الجهل أنه يفكر ويبدع ! بقلم: ذ. مصطفى يعقوبي
2021-04-14 - هنا وجدة
 

ذ. مصطفى يعقوبي

عندما دنا منا شهر رمضان هذا العام طلع علينا صاحب (صحيح البخاري نهاية أسطورة) بأسطورة جديدة من أساطيره ـ في شكل سلسلة على اليوتوب تحت عنوان ( رمضان ليس فريضة). وأحببت في هذه العجالة أن أقف عند أهم ما طرحه من دعاوى ومزاعم، وما اسنتد إليه مما توهمه أدلة وحجج على دعاويه ومزاعمه تلك.

وسأتحرى أقصى درجات الأمانة في نقل عباراته كما نطقها في تلك الحلقات المسجلة بالصوت والصورة على اليوتوب، ومن أراد الرجوع إليها للتحقق والتثبت فهي متاحة على الموقع.

في بداية أول حلقاته قال :"... أريد أن أقف عند كثير من الأمور التي تتعلق بصيام شهر رمضان... الأمور الفقهية، الأمور التشريعية.. بقليل من التمحيص، وبقليل من النقاش، وبقليل من التروي، وبقليل من التأمل، سنجد أن كثيرا من الأحكام الشرعية في الحقيقة ليست شرعية، بل هي تخالف الشرع في أبسط مبادئه."

وأهم القضايا التي تناولها في حلقاته تلك:  الفصل التام بين الصوم والصيام ـ الصوم ليس فريضة.

1 ـ بين الصوم والصيام:

زعم سي رشيد أن أغلب المسلمين يخلطون بين الصوم والصيام، والحقيقة ـ عنده ـ أن الصوم ليس هو الصيام، فالصوم بالنسبة له " هو الامتناع عن الكلام، فالقرآن يقول على لسان مريم:(... إِنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً.)، أما الصيام فهو الامتناع عن الأكل والشرب..." وعبارة صاحبنا هذه تتضمن خطأ فادحا سببه الجهل بأبسط قواعد وخطوات البحث المعجمي التي نعلمها لتلاميذنا في الإعدادي والثانوي، وأحيانا حتى في السنوات النهائية للمرحلة الابتدائية.

الصوم ليس هو الامتناع عن الكلام، بل هو مطلق الامتناع أو الإمساك أو الكف عن الشيء، أي شيء كلاما كان أم غيره. ولو كان الأصل في الصوم الامتناع عن الكلام تحديدا لاكتفت مريم بقولها (إني نذرت للرحمن صوما)، فما الحاجة ـ والحالة هذه ـ إلى إضافة قولها (فلن أُكَلِّمَ...)

السي رشيد أيلال لم يكلف نفسه عناء البحث عن الجذر اللغوي للصوم والصيام معا ـ وهو الذي يحاول أن يوهمنا باستمرار بأنه صاحب منهج يروم التدقيق في المصطلحات والمفاهيم، فحينما نبحث في المعاجم وقواميس اللغة المعتمدة  لانجد أبدا ذلك التمايز الكلي التام الذي زعمه أيلال بين الصوم والصيام، فكلاهما ينتمي للجذر اللغوي نفسه وقد يستعمل أحدهما بدل الثاني، فيقال: صام، يصوم، صوما وصياما. كما يقال: غفر يغفر مغفرة وغفرانا. وعرف يعرف معرفة وعرفانا. أي نعم قد تختلف المصادر ذات الجذر المشترك في استعمالاتها أحيانا بحسب السياقات المختلفة، لكنه  يوجد ذلك التباعد والتمايز الدلالي الكلي الذي يدعيه أيلال ومن يأخذ وينقل عنهم.

وها هي ذي المصادر الأساس في البحث المعجمي العربي تفند تماما زعم أيلال ودعواه في وجود التمايز الكلي بين الصوم والصيام، وأن الصوم خاص بالامتناع عن الكلام، والصيام متعلق بالامتناع عن الطعام:

جاء في كتاب العين للخليل الفراهيدي: " صوم: الصوم: ترك الأكل وترك الكلام... ورجال صُيَّامٌ ولغة تميم صُيَّمٌ، والصوم قيام بلا عمل...وصامت الريح إذا ركدت، وصامت الشمس استوت في منتصف النهار." (كتاب العين مرتبا على حروف المعجم.ج/2 ـ ص:423. تصنيف الخليل بن أحمد الفراهيدي. ترتيب وتحقيق د. عبد الحميد هنداوي)

ويؤكد هذا أيضا الجوهري في الصحاح: "قال الخليل: الصوم: قيام بلا عمل. والصوم: الإمساك عن الطُّعْمِ، وقد صام الرجل صوما وصياما... وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم." ( الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية. المجلد/5 ـ ص:1970، حرف الميم،فصل الصاد. تأليف إسماعيل بن حماد الجوهري. تحقيق أحمد عبد الفور عطار.)

ونختم هذه الشواهد لشيوخ العربية ورواد الصناعة المعجمية، بشهادة ابن فارس صاحب معجم مقاييس اللغة الذي اعتبره المهندس شحرور مرجعا له في تعامله مع النص القرآني حسب زعمه، وتجدر الإشارة إلى أن صاحبنا رشيد أيلال إنما ينقل في ما أورده عن شحرور ومن حذا حذوه، يقول ابن فارس: "(صوم) الصاد والواو والميم أصل يدل على إمساك وركود في مكان. من ذلك صوم الصائم، هو إمساكه عن مطعمه ومشربه وسائر ما مُنِعَهُ، ويكون الإمساك عن الكلام صوما... وأما الركود فيقال للقائم صائم... والصوم: ركود الريح. والصوم: استواء الشمس انتصاف النهار كأنها ركدت عند تدويمها..." ( معجم مقاييس اللغة. ج/3 ـ ص:323. أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا. تحقيق عبد السلام هارون.)

فأين ما زعمه رشيد أيلال من أن الصوم هو الإمساك عن الكلام فقط وأنه لا علاقة بالإمساك عن الطعام والشراب؟ هل هذا هو طريق التمحيص والنقاش والتروي والتأمل الذي زعم أنه سيسلكه لمعالجة الموضوع؟ أهكذا تكون نتائج التمحيص والتأمل والتروي في البحث؟

2 ـ  الصيام ليس فريضة:

يقول سي رشيد أيلال: "إن ما يعتقده المسلمون عامة، أن الصيام ركن من أركان الإسلام وأنه فرض، لكن هل توجد آية قرآنية واحدة تقول إن الصيام فرض؟ بطبيعة الحال لا توجد."

يحاول سي رشيد أن يرد على الذين قالوا بفرضية/وجوب الصيام من خلال (تحليله) لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصيام..." فيزعم أن سبب عدم فهمهم لهذا النص وتحريفهم لمعناه الحقيقي أنهم اعتمدوا على نظرية الترادف في اللغة، وهذا طبعا ليس كلاما جديدا من سي رشيد إنما هو نقل عن مدرسة المهندس شحرور، يقول سي رشيد: "إن الحقيقة أن اللفظة  لا تكتسي دلالتها إلا من خلال السياق." هكذا بإطلاق منكرا تماما وجود أي معنى أصلي للكلمة/المفردة خارج السياق. إن إنكار وجود أي معنى أصلي للكلمة خارج السياق معناه أن كل القواميس والمعاجم اللغوية ـ في جميع اللغات ـ ستصبح ضربا من العبث، مادام أنها ـ جميعهاـ تتحدث عن المعنى الاشتقاقي/الإيتيمولوجي للمفردة.

والسؤال هو: هل استطاع سي رشيد أن يبقى وفيا لهذا (المنهج) الذي سطره ووضعه بنفسه؟

المشكلة أن صاحبنا سي رشيد سيهدم هذا الكلام وينقضه من أساسه حينما يعود أحيانا ويستنجد بالمعنى الأصلي المعجمي للمفردة اللغوية.

والمعضلة أنه حينما أراد أن يستدل ويثبت زعمه ودعواه فيما يخص فهمه واستعماله لقضية المعنى السياقي قدم مثالا وهو فعل (اشتعل)، فقال بالحرف: "اشتعل الرأس شيبا لا يعني أن الرأس اشتعلت فيه النار، بل هو تعبير مجازي، فكلمة اشتعل اتخذت معناها في هذه الآية من خلال السياق..." يقول هذا وكأنه حصل على كنز أو صيد ثمين يواجه به (التراثيين) من الفقهاء والعلماء، مع أننا ما وجدنا واحدا منهم ـ بل حتى مجنونا في تاريخنا ـ زعم أن اشتعال الرأس شيبا يعني أنه اشتعلت فيه النار !

ثم إن سي رشيد قد وضع نفسه ـ بكلامه هذا ـ في مأزق لا يملك أن ينقذ نفسه منه، فمادام المعنى السياقي هو معنى مجازي ـ كما قال ـ فما هو المعنى الحقيقي؟ وما موقع هذا المعنى الحقيقي؟ هل له سياق هو أيضا؟ فيكون في هذه الحالة معنى مجازيا، أم أنه ليس له سياق وهذا يلزم عنه اعتراف بوجود معنى للكلمة مجرد عن السياق وهو نقض للدعوى السابقة.

ثم يبني على كل هذا الخلط والتناقض ويستمر في (تمحيصه وتأمله) ويواصل هجومه على الفقهاء والعلماء بكل تحد ووقاحة منقطعة النظير.

يتساءل: "ما معنى (كُتِبَ عليكم الصيام)؟ هل هي فُرِضَ؟." والمصيبة والطامة الكبرى أن سي رشيد حينما أراد أن يحدد معنى (كُتِبَ) نسي تماما مفهوم السياق الذي قعده حسب فهمه، وراح يتحدث عن المعنى الأصلي للكلمة قائلا: "إن كلمة (كتب) في اللغة تعني ضم الشيء إلى الشيء لإخراج معنى ما."

والمصيبة الأخرى أنه في محاولته بيان معنى (كتب) في اللغة اعتمد المعجم، الذي يشرح الكلمة بكلمة أو عبارة أخرى، أوليس في هذا اعتراف صريح بالترادف الذي أنكره سابقا ورأى أنه أحد أسباب الفهم السيئ للنص القرآني لدى الفقهاء؟

فحينما تقول لي: كتب تعني ضم. فماذا تسمي هذا؟ ترادفا أم خبزا وطحينا؟

وفي محاولة للالتفاف على كل هذه الثغرات المنهجية والمعرفية معا، يقفز سي رشيد إلى الإحالة على المهندس شحرور وذكر اسمه مع الإشادة به وتعظيمه، وكأن مجرد ذكر شحرور واسمه سيعطي المشروعية لما يقدمه ويزعمه ويدعيه، فمتى كان ذكر اسم الشخص دليلا وحجة على صدق الدعوى؟ حتى ولو كان هذا الشخص من كبار العلماء والباحثين. فالقول يقوى بدليله وحجته وليس باسم قائله، والحق يعرف بالدليل لا بالرجال.

ثم يمضي سي رشيد في الاقتباس ـ بل بالنقل الحرفي ـ من شحرور فيما يخص لفط كتب في القرآن. والغريب أنه وقع في المأزق نفسه الذي وقع فيه المهندس شحرور، ففي الوقت الذي يتحدث فيه عن المنى السياقي وضرورة اعتماده في قراءة النص القرآني يولي وجهه شطر المعاجم اللغوية ويعتبرها المرجعية الوحيدة، حيث يأخذ المعنى اللغوي الأصلي ثم يسقطه ويفرضه على النص قسرا. فأين هو منهج منع الترادف المزعوم؟ وأين هو اعتماد المعنى السياقي؟ فكيف يجعل من (الضم) المعنى الوحيد ل (كتب) ثم يفرضه على جميع السياقات القرآنية التي وردت فيها الكلمة/المفردة (كتب عليكم القصاص، كتب عليكم الصيام، كتابا موقوتا)

إن سي رشيد لا يؤمن إطلاقا بالمعنى السياقي وإن كان يتبجح به نظريا ليزايد على من يهاجمهم من الفقهاء والعلماء، والدليل على ذلك أنه يَلْزَمُ معنى واحدا لفعل (كتب) وهو الضم ويقحمه إقحاما في كل النصوص والسياقات التي ورد فيها هذا الفعل أو أحد مشتقاته،مع أن كل القواميس والمعاجم العربية قديمها وحديثها تذكر لمادة (كتب) استعمالات متعددة بحسب السياقات المختلفة ويقدمون لذلك شواهد من كلام العرب نثره ونظمه، لكن سي أيلال ومن يأخذ عنهم مصرين على لي أعناق النصوص وتحريف معانيها ومقاصدها بما يوافق الهوى والتشهي، هذا بخلاف من يتهمونهم من الفقهاء والعلماء الذين يجتهدون ويجهدون أنفسهم في البحث والتقصي لتحديد معنى أو معاني المفردة القرآنية من خلال عرض الاحتمالات الممكنة ومحاولة الترجيح عن بناء على منطق واضح ومنهج متماسك.

وأنا أعرض هذا النص القرآني على سي رشيد وأنتظر منه أن يحدد لي معنى (كتب) في هذا السياق، وهل سينفعه أن يقحم معنى الضم أيضا في هذه الحالة:

" أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ"

فإذا لم يكن معنى كتب هنا في هذا السياق فرض وألزم، فلماذا قال الله (تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين)؟ لماذا اعتبر الله فعلهم ذاك تَوَلِّياً وظلما لو لم يكن القتال واجبا عليهم في تلك اللحظة؟

والأمثلة من هذا النوع كثيرة في القرآن.

ثم يمضي سي رشيد قدما في الدفاع عن مزاعمه ودعواه من خلال الهجوم على الفقهاء والعلماء متهما إياهم بأنهم يتهمون الله ـ سبحانه ـ بعدم القدرة على التعبير المباشر عن المعنى المقصود حينما يفسرون ويشرحون (كُتِبَ) بمعنى (فُرِضَ)، ويقول: "لو شاء الله أن يقول فُرِضَ لقالها مباشرة." بحسب منطق سي رشيد هذا فإنه لا يجوز أبدا أن نشرح أي كلمة في القرآن بكلمة أو عبارة أخرى توضح المعنى المراد، لأننا حينذاك سنتهم الله بعدم القدرة على التعبير المباشر عن المراد، فلما تحدث الله ـ مثلا ـ عن اللمس والمس والمباشرة للنساء فإنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نقول إن المقصود بذلك هو الجماع، ولا سقطنا في اتهام الله تعالى سبحانه بعدم القدرة على التعبير المباشر، فهل يجرؤ سي رشيد ـ بناء على رأيه هذا ـ أن يقول للناس إذا مس أحدكم امرأته أو لمسها فعليه أن يتوضأ أو يتيمم كما في قوله تعالى: " ...أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا... "؟ هل يجرؤ ـ بناء على تخريفه هذا ـ أن يزعم ويجازف ثم يقول لإنسان معتكف في المسجد أنه لا يجوز له لمس امرأته ومباشرتها في قوله تعالى: "... وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ..."؟

بعد كل هذه التناقضات والثغرات والأخطاء المعرفية والمنهجية تجده يقول وبأعلى صوته: "أتحداكم جميعا أيها الشيوخ، أيها الدكاترة، أيها المتخصصون في علم الحديث، أن تأتوني بآية واحدة تقول بأن الصيام فرض."

وأقول لك سي رشيد أنا لست شيخا من شيوخ العلم ولا دكتورا ولا متخصصا في علم الحديث، ومع ذلك سأرد عليك التحدي، لأنه تحد فارغ، هو عبارة عن أصوات وحركات تشبه أصوات الذبيحة وحركاتها متوهمة أنها ستضخ الدماء إلى الدماغ ليتزود بما يحتاجه من الأوكسجين مع أن المسكينة لا تدري أنها بحركاتها تلك تفرغ كل ما تبقى من دمائها ليخرج عبر الوريد المقطوع.

يحاول سي رشيد جاهدا أن يزيح ويبعد معنى الأمر عن الفعل في قوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فَلْيَصُمْهُ." حتى يشكك في هذا الدليل على فرضية/ وجوب الصيام، فيقول إن الجملة في الآية شرطية وعبارة (فليصمه) هي فعل مضارع وهو جواب شرط، يقول هذا وكأنه يُعَلِّمُ الناس النحو لأول مرة في حياتهم، وكأن الناس الذين يخاطبهم يجهلون أساليب اللغة العربية و يميزون بينها، والحقيقة أن أسلوبه هذا يتوجه به للعامة ممن لا يكلفون أنفسهم عناء البحث في مصادر المعرفة ومراجعها ومضانها ويعتمدون على في معلوماتهم على مقاطع فيديو من هنا وهناك، أو مقالات وكتب غارقة في السطحية وعرض الانطباعات الشخصية على أنها بحوث علمية، هؤلاء لما يسمعون صرخات التحدي هذه للشيوخ والعلماء والدكاترة متهما إياهم بالتحريف والتزوير والاعتداء على النص القرآني، ويتبعها بذكر مصطلحات من النحو أو الأصول أو الفقه، يعتقدون أن الرجل فعلا لديه ما يتحدى به، لكنه عند التحقيق لن تجد لا السراب الذي يحسبه الظمآن ماء.

فمادام صاحبنا يقول بأن الجملة شرطية، فهلا وقف بقليل من التمحيص وقليل من النقاش وقليل من التروي وقليل من التأمل، ليقول لنا ما معنى الشرط؟ وهل وجود أسلوب الشرط في الجملة العربية ينفي وجود الأمر فيها؟ في أي مرجع من مراجع النحو واللغة وجد سي رشيد أن الشرط والأمر لا يجتمعان؟ بل حتى لو اعتبرنا خلو الجملة من الأمر وأن فعل (فليصمه) هو مجرد فعل مضارع وأنه لا وجود فيه للأمر ـ وهذا غير صحيح قطعا ـ فما معنى الشرط؟

لو كلف سي رشيد نفسه بالرجوع إلى قواميس اللغة التي ادعى أنه يرجع إليها ويعتمدها في التعامل مع المفردة القرآنية لوجد أن "الشرط هو إلزام الشيء والتزامه." (القاموس المحيط للفيروز أبادي. ج/2 ـ ص:368.)

ويقول أبو البقاء الكفوي: " ما يسميه النحاة شرطا هو في المعنى سبب لوجود الجزاء، وهو الذي يسميه الفقهاء علة ومقتضيا وموجبا ونحو ذلك..." (الكليات لأبي البقاء الكفوي. تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري. ج/3 ـ ص:5.)

ومن معاني الشرط اللغوية الملازمة وهي كلمة تدل على المصاحبة مع الدوام وعلى امتناع انفكاك الشيء عن الشيء (انظر التعريفات للجرجاني. تحقيق على الأبياري. ص: 417.)

أما الشرط عند النحاة فيقول ابن يعيش: "والشرط إنما يكون بالمستقبل لأن معنى تعليق الشيء على شرط إنما هو وقوف دخوله في الوجود على دخول غيره و يكون هذا المعنى فيما مضى." (انظر شرح المفصل في صناعة الإعراب لابن يعيش. تصحيح وتعليق مشيخة الأزهر وجماعة من العلماء. ج/8 ـ ص: 155.)

هل سي رشيد يجهل أو يتجاهل أن الشرط عند النحاة يمكن أن يكون جوابه فعل أمر كقولنا: (من لقي زيدا فليكرمه)؟

المصيبة أن سي رشيد تصور ـ جهلا أو وهما ـ أنه مادام هناك شرط فلا محل ولا مكان لوجود الأمر، وهذا منتهى الجهل بقواعد اللغة ونحوها، إلا ذا كان سي رشيد لا يعترف بشيء اسمه علوم اللغة ويرفض ذلك على غرار رفضه لكتب الحديث والفقه والتفسير هكذا بلا مبرر ولا منهج يسند هذا الرفض، ففي هذه الحالة سنكون أمام قضية أو إشكال آخر يمكن أن نناقشه مع سي رشيد في مناسبة أخرى.

وهنا نتوجه بالسؤال لسي رشيد: ما هو مستندك في رفض القول بوجود الأمر في فعل (فليصمه)؟ يجيبنا سي رشيد بأن صيغة الفعل هي المضارع وليس الأمر، ولكن يا سي رشيد هذا الفعل المضارع ارتبط بدخول لام الأمر عليه فتغيرت دلالته من المضارعة إلى الأمر، ألا ترى أن المضارع إذا دخلت عليه (لم) النافية تغيرت دلالته من المضارعة إلى الماضي؟

إن التحقيق اللغوي والسياقي يؤكد عكس ما زعمه رشيد أيلال تماما، فوجود الفعل المضارع المتصل بلام الأمر في معرض جواب الشرط مما يزيد الأمر جزما ويقينا.

وفي نهاية حلقته الثانية حول الموضوع، يخلص بعد كل تلك المزاعم والدعاوى المفتقرة إلى الأدلة والحجج، وكل ذلك الاضطراب المنهجي والقصور المعرفي إلى تقرير النتائج التي سبق أن انطلق منها في مقدماته. وهذا ما يسميه المناطقة ب ( المصادرة على المطلوب Pétition de principe ) وهو طريقة يتم اللجوء إليها للمغالطة ومعناها التسليمُ بالمسألة المطلوب البرهنةُ عليها من أجل البرهنة عليها! وذلك بأن تفترض صحة القضية التي تريد البرهنة عليها وتضعها بشكل صريح أو ضمني في إحدى مقدمات الاستدلال، وأنت بذلك تجعل النتيجة مقدمةً وتجعل المشكلةَ حلًّا وتجعل الدعوى دليلًا.

يقول سي رشيد: " الصيام ليس فرضا، بل الدين كله ليس فرضا، فالله يقول: (لا إكراه في الدين) ويقول: (من شاء فليومن ومن شاء فليكفر)"

أإلى هذا الحد يصل الجهل بإنسان يتحدى الشيوخ والدكاترة والعلماء؟؟ !! هذا الحد الذي لا يميز فيه ـ من يدعي البحث العلمي وتصحيح المفاهيم ـ بين مفهوم الفرض/الوجوب الشرعي ومفهوم الإكراه؟

إن مفهوم الفرض أو الوجوب الشرعي يتعلق بالطاعة الاختيارية للإنسان، أي أن الإنسان الذي اختار الإسلام عن طواعية وبلا إكراه ولا إرغام ولا إجبار، فهو اختار أن يلتزم بشرائعه وأوامره ونواهيه، ولا علاقة لهذا بمفهوم الإكراه مطلقا، وأما إذا اختار هذا الإنسان ألا يكون مسلما فهل سيقول له الفقهاء والعلماء والمشايخ أنت ملزم بالصيام لأن الصيام فرض؟ أتحدى سي رشيد أن يقدم لنا مصدرا فقهيا واحدا يقول بهذا.

فإذا سلمنا بهذا الخلط بين الإكراه والفرض فيلزم سي رشيد ـ مثلا ـ ألا يلتزم بما اتفق عليه مع شخص في عقد بيع، دخله باختياره وقبل بشروطه بناء على أنه يرفض الإكراه ! ويلزمه أيضا عندما يختار امرأة للزواج بإرادته ألا يلتزم ببعض شروط عقد الزوجية ويختار منها بحسب رغبته ! ويلزمه بالمنطق نفسه أيضا ألا يلتزم بقوانين دولة ما اختار الاستقرار بها عن طواعية واختيار تحت ذريعة أنه حر وضد الإكراه ولهذا يجوز له مخالفة هذه القوانين متى شاء !

إن القاعدة تقول إن من التزم بشيء لزمه.

 



 

الاسم* :
البريد الالكتروني * :
 
4143
أنقل الرمز أعلاه * :
التعليق* :
 
(*) ملء جميع الخانات
24 ساعة
 
مناورات شيوعية.. د.محمد بالدوان
[ قراءة المقال ]
 
من السفه تحميل شعيرة دينية استفحال جائحة كورونا، محمد شركي
[ قراءة المقال ]
 
أي قانون هذا الذي يحكم العالم اليوم إذا كانت بعض الدول تستبيح أرضي غيرها .. ؟ محمد شركي
[ قراءة المقال ]
 
إعلان الأحزاب عن طبيعة مرجعيتها إما أن يكون حقا يمارسه الجميع أو أمرا يعاب على الجميع
[ قراءة المقال ]
 
الفرع الإقليمي بوجدة لنقابة المسرحيين المغاربة وشغيلة السينما والتلفزيون يستنكر طلبات العروض التي طرحها وزير الثقافة
[ قراءة المقال ]
تواصل معنا
للبحث عن وظيفة
 
Abdeltif berrahou: Le sentier de la gloire
[ قراءة المقال ]
 
ABDELTIF BERRAHOU : LES BIENFAITS DE LA LECTURE
[ قراءة المقال ]
 
CORONA VIRUS CET INFAME.. ABDELTIF BERRAHOU
[ قراءة المقال ]
 
Point de vue par ABDELTIF BERRAHOU
[ قراءة المقال ]
هنا وجدة.. منبر إلكتروني شامل | المدير المسؤول : محمد السباعي | الايميل : mohsbai@gmail.com