عن الفقد أتحدث... هناء البوكيلي        صديقي المؤمن.. إبراهيم بداني        عبد السلام السبيبي: على هامش الاحتفال باليوم الوطني للمسرح        الحلقة الثالثة تدبر سورة الرحمان، ذ محمد غوردو        البيئة تتنفس الصعداء .. ولو مؤقتا        Abdeltif berrahou: Le sentier de la gloire        للغة العربية .. أكبرُ من رجلٍ..، إبراهيم بداني        غزوة بني قريظة: تأملات في الحدث وقراءاته، مصطفى يعقوبي        تدبر بداية سورة الرحمن، ذ محمد غوردو        ABDELTIF BERRAHOU : LES BIENFAITS DE LA LECTURE        محمد مشالي :طبيب الفقراء، هند غانم        العلماء ملح الأمة، يحفظونها من التلاشي.. ألف شكرا        مجالس تربوية تغزو السوشيال ميديا في رمضان، هند غانم        التوحيد والإصلاح بوجدة تستضيف الأستاذ عبد الله بوغوتة        المسارعة إلى الخيرات، ذ عبد اللطيف بوعبدلاوي        التجديد الطلابي بوجدة: قراءة في مشروع قانون مواقع التواصل الاجتماعي 20-22        CORONA VIRUS CET INFAME.. ABDELTIF BERRAHOU        شتان بين الثرى والثريا! بقلم حذيفة الحجام        ذ محمد طلابي ، من قيادي يساري سابق إلى الالتحاق بالتوحيد والاصلاح        Point de vue par ABDELTIF BERRAHOU       
الحلقة الثالثة تدبر سورة الرحمان، ذ محمد غوردو

تدبر بداية سورة الرحمن، ذ محمد غوردو

المسارعة إلى الخيرات، ذ عبد اللطيف بوعبدلاوي

ذ محمد طلابي ، من قيادي يساري سابق إلى الالتحاق بالتوحيد والاصلاح

روبورتاج حول المنصة الرقمية

المغرب يقدم رسميا جهاز تنفس اصطناعي محلي الصنع

يا لطف الله الخافي

تعامل المسلم مع الشدائد - كورونا نموذجا

مقالات وآراء >
غزوة بني قريظة: تأملات في الحدث وقراءاته، مصطفى يعقوبي
غزوة بني قريظة:  تأملات في الحدث وقراءاته، مصطفى يعقوبي
2020-05-13 - هنا وجدة
 

بقلم: ذ. مصطفى أبو نصر يعقوبي

وجدة. المملكة المغربية.

يكاد يكون حدث غزوة بني قريظة من أكثر القضايا الحساسة في السيرة النبوية والتي أثير حولها كلام كثير، وأخذت من أصحاب الشبه ـ من مستشرقين وغيرهم ـ حيزا وافرا في كتاباتهم وسجالاتهم وردودهم وهجومهم على الإسلام ورسالته ورسوله.

ونود في هذه الدراسة الموجزة الوقوف عند هذا الحدث وما أثير حوله متوسلين بمنهج بعيد عن الانتقائية المُغرضة، منهج نستحضر من خلاله كل العناصر المرتبطة بهذا الحدث في سباقه وسياقه.

يُجْمع العقلاء في كل التخصصات المعرفية بما فيها التاريخ، أن الحدث التاريخي يستحيل فهمه والتعامل معه من دون ربطه بما قبله، فلا بد من جعله في السياق الزمني، وعدم عزله ودراسته منفردا وكأنه معطى نزل من السماء فجأة أو وقع مصادفة. إن البنيوية التي ألغت التاريخ وانتهت بذلك إلى قتل الإنسان نفسه في التعامل مع الخطاب لا يمكن أن تقدم لنا شيئا يذكر في فهم التاريخ وكيفية التعامل معه، ذلك لأن الحدث التاريخي إنساني بامتياز، ومن كتب ونقل هذا الحدث هو إنسان أيضا، ومن يقرأ الحدث ويحلله ويفسره هو إنسان كذلك.

وفي هذه المقدمة لابد من طرح مجموعة من التساؤلات التي تعتبر بمثابة معالم في منهج تناول الحدث، وفي الوقت نفسه تعيد النظر في كثير مما تم تناوله وتداوله بخصوص هذا الحدث وقراءاته.

لماذا يتم إغفال السيرة النبوية في كليتها ومجموعها بما فيها من المئات ، بل الآلاف من المواقف الإنسانية ومن ثم الوقوف عند حدث واحد على افتراض وقوعه بتلك الطريقة التي يصورها به أصحاب (نظرية الإبادة) كما أسميهم؟ أليس هذا دليلا على وجود مواقف جاهزة ومعدة سلفا وأحكام مسبقة من هذه الرسالة وصاحبها التي يراد البحث لها عن مسوغات/ مبررات حتى ولو كانت متوهمة ومصنوعة؟

إذا اعتبرنا ما يقوله ويزعمه البعض أن محمدا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فعلا ارتكب مجزرة أو إبادة جماعية ضد أقلية يهودية في المدينة، فلماذا لم يفعل ذلك مع أقليات أخرى؟ لماذا لم يفعل ذلك مع قريش في فتح مكة وكل الظروف كانت متوفرة له؟ ما الذي يمنعه من هذا إن كانت عقيدة هذا الرجل وقناعته هي إبادة المخالف وإفناؤه؟

لماذا كانت هذه الجريمة ـ بحسب زعم أصحاب نظرية الإبادة ـ ضد بني قريظة وحدهم دون غيرهم من المجموعات اليهودية الأخرى؟

ما هي المصادر المعتمدة في إثبات الأخبار والمعلومات والمعطيات المتعلقةبهذا الحدث؟ هل أي رواية في أي كتاب من كتب السير أو الحديث أو التاريخ هي رواية صحيحة ثابتة ويجب اعتمادها في قراءة الحدث وفهمه؟

لماذا يصر البعض على الاستناد إلى روايات بعينها وتغييب الأخرى التي تناولت الحدث نفسه؟

لماذا يتم الاستبعاد الكامل ـ من طرف أصحاب نظرية المؤامرة ـ لموقف بني قريظة الجماعي من الرسول والإسلام والمسلمين خلال غزوة الأحزاب؟ ومن ثم استبعاد قراءة هذا الموقف في سياق المعاهدة التي تمت بين يهود المدينة بكل ـ فرقهم وطوائفهم ـ والرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ لماذا يمُرُّ هؤلاء الذين يزعمون وجود إبادة ـ مرور العُمْيان ـ على تصرف وجريمة بني قريظة حيث تآمروا مع العدو الخارجي ـ وفي وقت الحرب ـ والتزموا بتقديم كل وسائل الدعم له (المالي والاستخباراتي والعسكري...)؟

لماذا يُغَيِّب هؤلاء الذين يزعمون وجود مجزرة أن محمدا لم يكن مجرد رسول أو نبي أو زعيم ديني في تصرفه في مثل هذه المواقف؟ لماذا ينسون أو يتجاهلون كونه إماما وقائدا لأمة وكيان سياسي قائم له قوانينه ومؤسساته وتعهداته ومسؤولياته، وأن أي فرد/ مواطن في هذا الكيان كما أن له حقوقا فعليه أيضا واجبات يلتزم بها، وفي حالةالإخلال بها يستحق العقوبة؟

لماذا يصر من يزعم الإبادة على استحضار الروايات التي تضخم وتبالغ في عدد القتلى، ويتم التغاضي والتجاهل التام للروايات الأخرى والتي تتحدث عن عدد محدود جدا؟ والمصيبة أن هذا الانتقاء يتم في غياب تاملأي معيار من معايير النقد التاريخي أوالحديثي للرواية وتمحيص الخبر.

1 ـ موقف الإسلام من غير المسلمين والقواعد القرآنية الضابطة لكيفية التعامل معهم:

أجدني بمناسبة تناول هذا الموضوعملزما بالوقوف ـ ولو باقتضاب شديد ـ عند قضية لها ارتباط وثيق بالموضوع وهي موقف الإسلام من الآخر المخالف في الدينوالعقيدة، ويتلخص هذاالموقف من خلال القواعد القرآنية الآتية:

+ قاعدة: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون: 6.

ففي سورة (الكافرون) لم يقل الله سبحانه لنبيهـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (قل يا أيها الكافرون إن لم تؤمنوا بما جئتكم به أقتلكم أو أبيدكم...) أو شيئا من هذا القبيل، بل أكثر من ذلك سمى الكفر دينا في مقابل الدين الآخر الذي هو الإسلام، فبالرغم من عدم الاعتراف بصدقية دين الكفر، فهناك اعتراف بحق هذا الكفر في الوجود.

+ قاعدة: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) الكهف: 29:

يتلخص دور صاحب الرسالة بالأصالة ( محمد صلى الله عليه وأله وسلم) وصاحبها بالتبعية (المسلمون) في تبليغ الدين الحق للآخر الذي أعطته الآية حق اختيار الإيمان أو الكفر بحسب مشيئته وإرادته مع تحمل مسؤولية هذه الحرية أمام خالقه يوم القيامة لا أمام المخلوق في هذه الدنيا.

+ قاعدة: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة: 256 :

بعد إقرار الحق في الوجود، ومبدأ حرية الاختيار بين الإيمان والكفر في القرآن المكي، جاء هذا النص المدني ليقرر حكما شرعيا وهو وجوب حماية تلك الحرية وتحريم العدوان عليها بالإكراه والإجبار، إذ لا معنى أن يُعطى لك الحق بدون ضمانة تشريعية تحمي هذا الحق.

فانظر كيف أنه سبحانه في المرحلة المكية (آية الكهف) قرر مبدأ حرية الاختيار، وكان هذا في مرحلة الاستضعاف بالنسبة للمسلمين، حتى إذا أصبح للمسلمين كيان وقوة وسلطان في المرحلة المدنية، أنزل الله أمره بوجوب حماية هذا الحق وتحريم الاعتداء عليه، وهذا حتى لا يفهم أحد من المسلمين أو غيرهم أن حق الحرية في الاختيار بين الإيمان والكفر مرتبط فقط بمرحلة الاستضعاف، بل هو مبدأ أصيل وقاعدة ثابتة لا تقبل التغيير.

+ قاعدة: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام: 108:

إن الإسلام وإن كان ينظر إلى المعتقدات الأخرى بوصفها باطلا ومجرد أوهام وخرافات وأساطير، لكنها عند أهلها ومعتقديها تُعد من المقدسات، ولذلك نهى عن سب تلك المعتقدات وشتمها والاستهزاء بها، لأن رد الفعل ـ في هذه الحالة ـ سيكون بالمثل. والنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حينما راسل ملوك عصره وصفهم بالعظمة ( عظيم الفرس، عظيم الروم، عظيم القبط...) وهذا لا يعني أنه صلى الله عليه وآله وسلم يعظمهم، بل يقرر حقيقة على أرض الواقع الذي لا يرتفع وهي أن هؤلاء فعلا عظماء عند أقوامهم وشعوبهم.

+ قاعدة: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) العنكبوت:46:

الإسلام لا يمنع من مناقشة الآخر في معتقداته وبيان الحق من الباطل، بل هو أمر لازم وواجب، لكن هذا الأمر يتطلب الالتزام بقواعد الحوار العلمي البناء ومقارعة الحجة بالحجة، مع اعتماد أسلوب الحكمة مادام هذا الآخر بعيدا عن الظلم والعدوان.

+ قاعدة: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) التوبة:4:

ضرورة الوفاء بالعهود والمواثيق مع الآخر مادام هذا الآخر ملتزما بعهده وميثاقه، وقد اعتبر الإسلام ذلك من علامات التقوى.

+ قاعدة: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) التوبة: 6:

في حالة طلب الآخر للجوء والحماية من المسلمينيجب شرعا حمايته وتوفير كل ما يحقق أمنه واستقراره.

+ قاعدة: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة: 8:

وجوب التعامل مع الآخر بالبر والعدل مادام غير ظالم ولا معتد، وقد استعمل القرآن في هذا السياق مصطلح البر وهو اللفظ الجامع لكل معاني الخير والإحسان بالإضافة إلى العدل الذي هو اسم من أسماءه سبحانه وتعالى.

+ قاعدة: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ  وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) الحج: 39:

تشريع الإسلام للقتال والمواجهة إنما كان ضد الظلم وليس ضد الكفر، فلم تقل الآية بأن الله أذن للمسلمين في القتال لأن الآخرين قد كفروا، بل لأنهم ظَلَموا، ثم إن الآية تجعل من مقاصد هذا التدافع وهذه المواجهة الدفاع عن أماكن العبادة في مختلف الديانات والمعتقدات (الصوامع والبِيَعُ والصلوات والمساجد) وهذا دليل على أن المقصود من المواجهة هو الظلم لا الكفر.

فماذا عن القتال والحرب في الإسلام؟

بكلمة موجزة ومختصرة: الحرب حالة استثنائية في المنظور القرآني، فهي أشبه بالعملية الجراحية المؤلمة التي يضطر إليها الإنسان بعد استنفاد جميع العلاجات الممكنة.

فلو كانت الحرب هي الأصل في هذا الدين، وأنها شرعت ضد الكفر، فما الذي جعل النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ينتظر كل تلك المدة في مكة (13 سنة) ولا يعلنها ضد الكفر ويتحمل في المقابل كل تلك الأصناف من الأذى والعدوان على الأعراض والأنفس والأموال؟

فإن قال قائل: إن المسلمين كانوا قلة وضعفاء.

وهذا صحيح، ولكن على الأقل كان ينبغي أن تكون هناك مناوشات، أو اغتيالات لشخصيات وقادة الشرك مثلا وهذا لا يحتاج لوجود كثرة أو قوة عددية.

وعندما أصبح المسلمون قوة ـ بعد الهجرة ـ لم يفكروا في الهجوم على قريش أو أي قبيلة من القبائل المجاورة المشركة أو الكافرة، حتى جاءت السنة الثانية فكان خروج المسلمين لاعتراض القافلة فقط، من أجل استرداد جزء قليل مما سُلِبَ منهم، ولم يكن في نيتهم أن يقاتلوا ويحاربوا، لكن قريشا أصرت على الحرب والقتال بالرغم من نجاة أبي سفيان بقافلته. وهكذا تجد كل الحروب التي تلت معركة بدرا حروبا دفاعية لم يكن المسلمون أبدا من المبادرين إليها،وهذا انسجاما مع جميع النصوص القرآنية التي وردت في القتال والتي يحكمها هذا المنطق وهو رد العدوان ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا) البقرة: 190. (وَلَاتُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ...) البقرة: 191. ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمْثِل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)[1]البقرة: 194.( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) التوبة: 36. ( يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ  كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ  إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء: 94 ...

ومن الجهل المُضحك والمثير للشفقة أن تجد أحدهم يستشهد بما جاء في سورة محمد على أن الإسلام يطلب من أتباعه يضربوا رقبة أي كافر يلقونه " فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ..." محمد: 5، والمسكين لا يدري أن اللقاء في الآية يقصد به ساحة الحرب والقتال.

وهكذا في كل الآيات والنصوص القرآنية التي تناولت موضوع القتال والحرب، أما ما ظهر من مفردات ومصطلحات ومفاهيم على هامش النص القرآني فهي اجتهادات بشرية محكومة بشروط وظروف تاريخية معينة، وبطبيعة العلاقات مع الآخر في ظرفية خاصة، وليست أبدا من قبيل الشرع الثابت، ولهذا لا يجوز منحها القداسة نفسها التي تعطى للنص القرآني المعصوم، فالقرآن هو الحاكم والمهيمن عليها وليس العكس. تجد مثلا من يتحدث عن آية السيف وأنها قد نسخت كل النصوص القرآنية الأخرى التي تتعلق بكيفية التعامل مع الأخر وهي مئات النصوص طبعا، و عبارة (آية السيف) هذه أشبة بالحديث عن الهيولى في الفلسفة، فماهي آية السيف هذه بالتحديد؟ وفي أي سورة هي؟ ومتى نزلت؟ وكيف يُعقل أن تنسخ آية واحدة مئات الآيات من القرآن؟ كل هذا يؤكد أنه لا وجود لشيء اسمه آية السيف في القرآن، إنما هي آيات  في سور متفرقة تتحدث عن القتال والحرب وأحكامها، وقد ذكرت نماذج منها وتبين أنه لا علاقة لها بنسخ ولا تعطيل ولا أي شيء من ذلك، والأمر نفسه عن مصطلحات ومفاهيم أخرى تم إضفاء القداسة عليها أيضا من قبيل: (دار الحرب/دار الإسلام، جهاد الطلب/ جهاد الدفع ...الخ.)

وأما ما يتعلق بالحديث ورواياته في الموضوع فإن القاعدة أن القرآن هو الحاكم والمهيمن على غيره، وبالتالي فكل رواية ـ بعد تمحيصها وفق القواعد والضوابط المقررة عند أهل الاختصاص ـ يجب أن تفهم في إطار ما قرره القرآن الكريم وثوابته وقطعياته ومقاصده. وهكذا فالأحاديث التي جاءت تُرَغِّبُ في الجهاد وقتال الأعداء وتُحَرِّضُ وتُحَفِّزُ المؤمنين إنما هي من باب ما يسمى الآن في العلوم العسكرية بالتعبئة العامة للجيوش ورفع المعنويات أو بتثبيت ما يسمونه بالعقيدة العسكرية أو القتالية للجيش، حيث أي دولة أو كيان سياسي يعتمد من الأساليب والوسائل ما يراه صالحا لتعبئة جيوشه وجنوده وتكوينهم وتحميسهم ليكونوا ـ على الدوام ـ على أهبة الاستعداد لمواجهة أي خطر يتهدد أمن هذا الكيان ووجوده، ومن هذه الوسائل (كليات للتكوين والتدريب العسكري ـ المناورات ـالخطب الحماسية ـ الموسيقى والأناشيد العسكرية الحماسية...الخ)، فهل يُعقل أن نعتبر مثل هذه الإجراءات عدوانا على الآخرين؟

2 ـ ظروف وملابسات الحدث: غزوة بني قريظة.

من المعلوم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يقتحم يثرب/ المدينة على أهلها ولم يدخلها محتلا، بل دخلها بطلب من أهلها وزعمائها وإلحاح منهم وتعهد على استقبالهم له وحمايته والدفاع عنه ( بيعة العقبة الأولى والثانية). ولما دخلها ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قام بكتابة وثيقة المدينة والتي اعتبرت بمثابة عقد اجتماعي، وهي أول دستور مدني ينظم المجتمع بكل أطيافه وألوانه، والنظر إلى الجميع باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات يتحملون جميعا مسؤولية الدفاع عن الوطن بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القبلية. وقد التزمت بها جميع الأطراف ـ بما فيهم اليهود ـ عن طواعية واختيار. وبناءً على بنود الوثيقة[2] فقد كان على بني قريظة الانضمام إلى المسلمين لمواجهة الأحزاب، لكنهم لم يكتفوا حتى بموقف الحياد السلبي ـ وهو غير مقبول منهم بموجب المعاهدة/ الوثيقة ـ بل تآمروا مع العدو بكل ما تحمله مفردتي المؤامرة والخيانة الجماعية من معنى، وهذا ما اتفقت عليه الروايات جميعها بلا خلاف.

فما الذي حدث؟

لقد كان لحيي بن أخطب ـ زعيم بني النضيرـ دور خطير وكبير في تأليب الأحزاب بعد إجلاء بني النضير عن المدينة بسبب تآمرهم على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم[3]، فهو الذي أقنع قريشا بجمع القبائل وتحزيبها ومن ثم الهجوم على المدينة المنورة في جيش عظيم لاستئصال المسلمين منها، وأقنع غطفان بالانضمام لقريش مقابل التنازل لهم عن تمور خيبر، كما انضم للأحزاب بنو سليم وبنو مرة وفزارة، فتحصل من ذلك جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل. وقد طلب حيي من الأحزاب 2000 مقاتل ليكونوا معهم في جنوب المدينة، وهذا يدل على أن بني قريظة لم يكونوا بذلك العدد الذي تذكره بعض الروايات، إذ لو كانوا كذلك لما احتاجوا إلى 2000 مقاتل.

الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد حشد جميع المقاتلين من المسلمين في الجبهة الشمالية عند الخندق حيث يوجد الأحزاب، فالمدينة خالية من المقاتلين بحيث لا يوجد بها سوى الشيوخ والنساء والأطفال والعاجزون عن القتال، فكانت الخطة ـ كما رسمها حيي واقتنع بها بنو قريظة كما سنبين ـ أن يتم مهاجمة المدينة من الجنوب لتحقيق هدفين اثنين:

ـ القضاء على جميع من في المدينة بكل سهولة.

ـ إرباك جيش المسلمين في الجبهة الشمالية وتسهيل المأمورية للأحزاب.

حيي بن أخطب ـ بعدما أحكم خطته مع الأحزاب ـ أتى كعب بن أسد سيد بني قريظة، فأغلق كعب باب الحصن دونه، وناداه حيي: يا كعب ! افتح لي أكلمك. فقال كعب: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني عاهدت محمدا ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، فلسن بناقض الذي بيني وبينه. فما زال حيي يراود صاحبه ويراجعه حتى فتح له، وقال له: ويحك يا كعب قد جئتك بعز الدهر وببحر طامٍ (أي بجنود كثيرة) جئتك بقريش على سادتها وقادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من الرومة، وجئتك بغطفان على سادتها وقادتها حتى أنزلتهم بذنب نصمة إلى جانب أُحد، قد عاهدوني وعاقدوني ألا يذهبوا حتى نستأصل محمدا وأصحابه.

فقال كعب: ويحك يا حيي جئتني بذل الدهر، قد عاهدت محمدا ولم أر منه إلا صدقا ووفاءً ولست بناقض الذي بيني وبينه.

وما يزال يراوده ويغريه حتى أقسم له أنه إذا لم تحقق قريش والأحزاب هدفهابالقضاء على محمد وصحبه ليأتين هو ـ أي حيي ـ ويبقى معه في الحصن حتى يصيبه ما يصيب بني قريظة. فَلاَنَ كعب ومال إلى رأي حيي ونقض عهده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولما وصل الخبر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يسارع إلى الحكم أو الهجوم عليهم حتى يتثبت ويتبين، فأرسل مجموعة من الصحابة فيهم سعد بن معاذ سيد الأوس وكان حليفا لبني قريظة، وسعد بن عبادة سيد الخزرج وغيرهما، فقال لهم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اذهبوا وتثبتوا فإن كان هذا الذي بلغني عن الغدر فالحنوا لي لحنا (أي تلميحا دون أن يشعر من حوله)  أعرف من خلاله ذلك ولا تفتوا في أعضال الناس ( أي حتى لا تحطموا معنوياتهم). وإن وجدتموهم على الوفاء فاصرخوا به بين المسلمين. فلما انطلق إليهم الصحابة وجدوهم على قلب رجل واحد ورأي واحد في الخيانة والغدر ونقض العهد. فكل الروايات تذكر هذا الذي وقع من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لكن أصحاب نظرية الإبادة لا يتوقفون أبدا عند هذا الحدث وغيره من الأحداث التي ذكرناها آنفا.

تذكر الروايات أيضا أن المسلمين بعد دخولهم الحصن وجدوا 1500 سيف و2000 رمح و 300 درع و 500 ترس وحوالي 20 بعيرا محملا بالمؤونة من طعام وشراب معدة لجيش الأحزاب الذي يحاصر المدينة.

ومن المعلوم أن حصار الأحزاب للمدينة كان قد دام نحو شهر، كل هذه المدة من الحصار والخوف والترقب والمرابطة على طول الخندق، ثم لما يعود المسلمون ـ بعدما كفاهم ربهم القتال ـ يكتشفون أن هناك خيانة كبرى وجريمة عظمى من طرف مجموعة كان المفروض فيها أن تكون مشاركة في الدفاع عن المدينة بمقتضى بنود الوثيقة/المعاهدة. يقع هذا من بني قريظة في هذه الظروف الشديدة والعصيبة والتي صورها القرآن الكريم أروع تصوير ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (الأحزاب: 9 ـ 12.

إن الجريمة والخيانة قد فاقت كل المعايير والمقاييس من خلال حجمها والظروف والملابسات التي جاءت فيها، وحتى بعد ارتكاب هذه الخيانة يأبى هذا المجرم الخائن أن يتراجع أو يطلب العفو أو حتى ينفي أوينكر جريمته، بل يصر عليها إصرارا من خلال الحوار الذي دار بينهم وبين الوفد الذي أرسله النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ للتثبت والتبين، ومن خلال الحوار الذي دار بينهم وبين رسول الله عندما قدم إليهم[4]. فأي عقوبة سيقترحها علينا أصحاب نظرية الإبادة لو وُضِعوا ووجدوا في مثل هذه الظروف؟ إن الهدف كان واضحا من هذه الخيانة وهو القضاء التام على المسلمين واستئصالهم لو نجحت الخطة.

3 ـ أصحاب نظرية الإبادة وكيفية تعاملهم مع الحدث:

يعتقد أصحاب نظرية الإبادة بأن محمدا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان دمويا بطبعه ومَيَّالاً إلى إفناء خصومه وإبادتهم وأن ما وقع لبني قريظة ـ بالطريقة التي يقدمون بها الحدث ـ ما هو إلا مظهر وتَجَلٍّ لهذه الروح المتعطشة للدم ولإبادة المخالف.

ومن أوائل من قال بنظرية الإبادة فيما يتعلق بيهود بني قريظة المستشرق الاسكتلندي وليم موير (1819 ـ 1905) وذلك في كتاب له بعنوان ( حياة محمد من مصادرها الأصلية)، والذي ينقل عن كتب السير من دون أدنى تمحيص أو مناقشة أومساءلة لهذه الروايات. ونظرا لأني لم أجد ترجمة عربية لهذا الكتاب فإني سأنقل كلامه كما جاء في الأصل الانجليزي، يقول في الفصل السابع عشر من الكتاب تحت عنوان: (حصار المدينة وإبادة بني قريظة) Siege of Medîna and massacre of the Bani Coreitza : ، إن ذلك المشهد ـ يقصد مشهد محاكمة بني قريظة ـ كان جديرا بالتصوير في لوحة من طرف فنان تشكيلي، حيث يوجد في خلفية اللوحة جيش المدينة وعيونهم على الغنائم من أثاث منزلي ودروع وطيور جميلة، وفي ركن اللوحة مجموعات من مئات اليهود مقيدون وأيديهم إلى ظهورهم تبدو على وجوههم الكآبة واليأس، وعن يسارهم النساء والأطفال الضعفاء في حالة رعب من الإرهاب، وفي الأمام محمد وبجانبه أصحابه من القادة وحشد من المتفرجين وراءهم.

<< It was a scene well worthy the pencil of a painter. In the background, the army of Medîna watch with deep interest this show of justice; regarding eagerly the booty, the household stuff and armour, the camels and floks, the date-groves, and the deserted town, all by the expected decree of confiscation, about to become their own. On the right, with hands pinioned behind their backs, are the captive men, seven or eight hundred in number, dejection and despair at the ominous rigour of their treatment stamped upon their faces. On the left, are the women and the little children, pale with terror, or frantic with grief and alarm for themselves and for the fate of their husbands and fathers, from whom they have been just now so rudely dragged. In front is Mahomet, with his chief companions by his side, and a crowd of followers thronging behind.>>[5]

 

 وعن أمثال هذه النماذج من المستشرقين ينقل الآن كل الذين يكتبون في الموضوع أو ينشرون عنه في مواقع الأنترنيت والتواصل الاجتماعي، متوهمين أنهم قد ظفروا بأقوى الأدلة والبراهين التي تُدِين الإسلام ورسالته وتكشف عن صورته البشعة التي حاول المسلمون ـ في زعمهم ـ تغطيتها وسترها، يقول أحد هؤلاء النقلة:

"فلو بحثنا قليلا هل المسلمون ومحمد فعلا إرهابيون أم أن المجتمعات قد ظلمتهم؟

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.)

ترهبون !!آية واضحة وصريحة تطلب من المسلمين أن يكونوا إرهابيين ضد أبناء جلدتهم. فلوراجعنا قليلا التاريخ النبوي الدموي الإسلامي سنجد الكثير الكثير من المجازر والاغتصاب وهتك الأعراض في السيرة النبوية الدموية الشريفة.

الغزوات هي أكثر ما يميز السيرة الدموية لمحمد وعصابته."[6].

صاحبنا لجهله بالألفاظ وكيفية دلالاتها على المعاني، حينما قرأ الآية التي استدل بها على دعواه شعر وكأنه عثر على كنز فسارع إلى أخذ مدلول مصطلح (الإرهاب) في الاستعمال السياسي المعاصر وطبقه على الآية متوهما وضوح مدلول الآية وصراحتها على ما زعمه، وبمنطق صاحبنا هذا فالله سبحانه وتعالى هو مصور بمعنى photographeـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ مادام الاستعمال المعاصر لكلمة مصور يعني ذلك ! فكيف لجاهل بأبسط قواعد اللغة أن يفهم الخطاب ويدرك مقاصده ويستدل به على الحقائق؟ أولا يدري صاحبنا هذا أن الآية إنما تتحدث عما يسمى في اللغة العسكرية المعاصرة بالردع، بمعنى أن أي دولة لابدأن تُعِدَّ كل ما وسعها وتحشر قواها كلها حتى تمنع غيرها من الطمع في غزوها أو التفكير في الإضرار بمصالحها أو الاعتداء على حدودها؟

وحينما يتحدث صاحبنا عما يسميه هو (السيرة الدموية) ألا يكلف نفسه دقيقة بحث ليقدم لنا حصيلة الضحايا في عهده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتى يؤكد ما يزعمه بأن سيرته دموية؟ إنه على مدى عشر سنوات كاملة كان عدد الذين استشهدوا من المسلمين في كل حروب العهد النبوي هو حوالي 262 شهيدا، والذين قتلوا من غير المسلمين حوالي 1022 هذا إذا اعتبرنا عدد قتلى بني قريظة هو ما بين 600 و700، وهذا كما سيتبين غير صحيح تماما، وبالتالي لن يتجاوز العدد الإجمالي لقتلى غير المسلمين 500 أو 600. فرجل يقود حروبا خلال عشر سنوات تشارك فيها الآلاف من الجنود من الفريقين ويكون عدد الضحايا من الفريقين في حدود الألف، كيف يعقل إن توصف سيرته بالدموية؟ أوليس هذا كلام ساقط لا قيمة له في ميزان العلم والعقل؟

تعالوا نقرأ لنموذج آخر من أصحاب نظرية الإبادة، يقول: "بالطبع لن نخوض في تفاصيل ما يسمى بغزوة بني قريظة، ولن نسرد أحداثها بالتفصيل، فالقصة مشهورة ومعروفة والكثير من المراجع الإسلامية قد قامت بالمهمة كاملة، والكثير من المواقع على الأنترنيت تسرد تلك القصة بتفاصيلها، لكننا سنتحدث عن جوهر تلك الجريمة البشعة والفعلة النكراء بعد أن ننزع عنها لباس القدسية الكاذبة التي ألبسها إياها المسلمون الذين حاولوا إظهار اليهود كمخادعين ومجرمين يستحقون ما فعله بهم محمد، وطبعا ذلك لم يكن صحيحا أبدا، ولذلك سنتحدث عن تلك الجريمة بحيادية كاملة بعد خلع التدليس الإسلامي المحمدي عن تلك القصة وإظهارها لكل باحث عن الحق كما هي ودون خداع أو تزييف أو تزوير للحقائق، لأننا لا نريد إلا الحق ولا نبحث إلا عن الحقيقة، وليس لنا هدف سوى مساعدة الباحثين عن الحق والحقيقة..." [7].

ويقول في موضع آخر: " لقد حاول المسلمون قديما وحديثا أن يأتوا بسبب مقنع أو أن يجدوا مبررا واحدا مقنعا للقيام بتلك الجريمة البشعة فلم يجدوا ولن يجدوا، وأتحدى جميع علماء المسلمين أن يأتوا ولو بمبرر واحد واضح وصحيح لتلك الجريمة القذرة غير ذلك الكلام المرسل الأجوف الذي يقولونه في كتبهم قديما وحديثا وحتى في مواقع الأنترنيت."[8].

هذا الكلام هو نفسه الذي يردده ـ وإن بعبارات مختلفة ـ جميع من يزعم وجود مجزرة أو مذبحة أو إبادة لليهود في المدينة من طرف محمد وأصحابه، فتعالوا نتوقف عنده لتحليله وتفكيك عناصره حتى تظهر حقيقته وقيمته:

حينما يقول إنه لن يخوض في تفاصيل الحدث ولن يسرد ذلك، فكيف له أن يقنع غيره بشيء مجهول؟ إن إبعاد تلك التفاصيل ومحاولة القفز عليها ليس له إلا هدف واحد لدى صاحبنا ومن معه، وهو أن يبقى المجال مفتوحا أمام خياله ليصور الحدث ويعرضه بالطريقة التي ترضيه وتتناسق مع ما عنده من حكم سابق وجاهز، وهو الذي يدعي البحث عن الحق والحقيقة ويكرر ذلك في كلامه بكيفية مبالغ فيها تذكرني بالعبارة الشهيرة (يكاد المريب يقول خذوني).

يزعم صاحبنا أنه سيتحدث عن تلك الجريمة بحيادية كاملة !ومع أن الحياد الكامل مجرد أسطورة وادعاء فارغ، فلو أن صاحبنا كان يملك نسبة ضئيلة منه لعرض الحدث كما جاء في مصادره التاريخية بجميع معطياته سواء منها تلك التي تبرىء الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو تلك التي تدينه وتجرمه ثم بعدها يدلي برأيه ويقرر ويصدر الحكم الذي يريد.

في تلك السطور القليلة التي عرضناها من قول صاحبنا تجد تناقضا لا يقبل به حتى المجانين والصبيان بُلْه أن يقبله الراشدون العقلاء، هذا التناقض ينسف كلامه من أساسه. فهو يقرر في البداية أن "تفاصيل الحدث موجودة في المراجع الإسلامية والتي قامت بالمهمة كاملة" هذه التفاصيل والمعطيات التي اعتمدها صاحبنا في وصف الحدث بأنه " جريمة بشعة وفعلة نكراء" ثم تجده في الوقت نفسه يتهم هذه المراجع بالتزييف والتزوير وأن ما يوجد بها مجرد كلام أجوف ومبررات واهية ! فلئن كانت هذه المراجع لا مصداقية لها فعلا، فمن أين علم صاحبنا بوقوع الحدث أصلا؟ هل يوجد مصدر أو مرجع غير إسلامي تناول الحدث بالأصالة وليس بالنقل أو التبعية؟ حتى المصادر والمراجع الغربية إنما أخذت مادتها من المصادر العربية الإسلامية، فإن لم يكن لهذه المصادر مصداقية فحري بصاحبنا أن يشكك في وقوع الحدث من أصله، وحري به ألا يتحدث عن تفاصيل ومجريات الحدث ووصفه والحكم عليه بأنه إبادة وجريمة بشعة.

أما عن ادعائه العنتري بأنه " يتحدى جميع العلماء المسلمين بأن يأتوا بمبرر واضح وصحيح واحد في كتبهم" فهذا يدل على أحد أمرين: إما وجود تخبط وفوضى وغياب أي منطق في التفكير والتعبير ، وإما أنه لم يطلع على أي من هذه المراجع ولا يعرف عنها شيئا وهذا سيجعل منه كذابا مدلسا لأنه زعم من قبل أن هذه المراجع ذكرت كل التفاصيل وقامت بالمهمة كاملة.

ولنفرض جدلا أن صاحبنا هذا ـ ومن يقولون برأيه ـ على صواب حينما يزعم أن المسلمين مزورين ومدلسين وأنهم إنما جاؤوا بمبررات واهية لتبرئة نبيهم مما يسميه " الجريمة البشعة"، فتعالوا ننظر في المراجع غير الإسلامية وغير العربية، بل وفي تلك التي لا تتعاطف أصلا مع الإسلام ورسوله ورسالته.

مونتجومري وات هذا المستشرق الكبير والذي يُظْهِر تعاطفا واضحا مع  اليهود، ويمكن أن يلاحظ ذلك من يقرأ كتابه (محمد في المدينة) خصوصا الفصل السادس منه تحت عنوان (محمد واليهود)، فماذا يقول عن علاقة محمد باليهود؟

"من المفيد أن نتخيل ما كان يحدث لو أن اليهود انضموا إلى محمد بدلا من معاداته. كان بإمكانهم في بعض الأوقات أن يحصلوا منه على شروط مفيدة لهم جدا."[9].

"حدث خلال الأشهر والسنوات التي تلت تغيير القبلة عدة اصطدامات بين المسلمين واليهود، ومن السهل جمعها معا من وجهة النظر التاريخية، ولكن لا يجب الظن، بدون فحص دقيق، أن هذه الحوادث نتجت عن سياسة مقصودة ربما اتبعت في 662 قبل بدر، وكان هدفها طرد اليهود أو التخلص منهم..."[10].

" ووجود بعض اليهود، على الأقل، باستمرار في المدينة حجة في آراء بعض العلماء الأوروبيين الذين يقولون بأن محمدا اتبع في السنة الثانية للهجرة سياسة شديدة فطرد جميع اليهود من المدينة لا لسبب إلا لأنهم يهود، وأنه وضع هذه الإجراءات موضع التنفيذ بشدة متناهية، غير أنه لم يكن من عادة محمد اتباع سياسة قاسية بهذا الشكل، بل كانت نظراته معتدلة، يحسب حساب المشاكل الرئيسية التي تؤثر في الحالة الراهنة والأهداف البعيدة التي يسعى لتحقيقها."[11]

4 ـ قراءة الحدث في ضوء القرآن الكريموما ورد من الروايات:

إننا إذا رجعنا إلى القرآن الكريم باعتباره الوثيقة القطعية في ثبوتها وصحتها نجده أنه قد تناول الموضوع ـ كعادة القرآن في الإيجاز ـ  في قوله تعالى: " وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا." الأحزاب: 26. فسياق النص يفيد أن هناك مواجهة وعصيان من داخل مجتمع المدينة لا مع عدو خارجي، فثمة قتل فريق وأسر فريق آخر، فلا يوجد في النص القرآني حديث بالتصريح ولا بالتلميح عن قتل أسرى بني قريظة كما تشير إلى ذلك الروايات، وإنما ميز بين مقاتلين وأسرى، والأسرى كما هو معلوم لا يجوز قتلهم كما اعتقد من فهم خطأً الآية القرآنية " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ..." الأنفال: 67. فظاهر الآية أن العتاب فيها غير مرتبط بعدم قتله صلى الله عليه وآله وسلم للأسرى، وإنما العتاب لاتخاذه الأسرى، ولو كان قتل الأسرى أمرا إلهيا أو حتى جائزا لنفذه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد نزول العتاب، لكنه لم يفعل ذلك قطعا، وفي سورة محمد يقول الله تعالى : " فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا..." محمد: 5، فليس للأسير إلا أحد حلين: المَنّ بمعنى إطلاق سراحه  مجانا، أو فداء بمعنى إطلاق سراحه مقابل فدية. ولا يُتَصور شرعا ولا عقلا أن يخالف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ توجيهات الوحي وأوامره، ويجب هنا أن نستحضر أمرا مهما وهو أن زعماء ومقاتلي بني قريظة الذين تم قتلهم لم يكونوا أبدا أسرى حرب حتى يعترض معترض على قتلهم، إنما كانوا ينتمون إلى جماعة هي ـ في الأصل ـ جزء من مجتمع المدينة ارتكبت ـ ما يسمى في الاصطلاح المعاصرـ  جريمة الخيانة العظمى وفي زمن الحرب.

إن أصحاب نظرية الإبادة عند تناولهم للحدث يتوقفون عند مشهد واحد وهو القتل  أوما يسمونه (مجزرة أو مذبحة أو إبادة)، وفي هذا المشهد بالذات يتوقفون عند صنف من مصادر الرواية وهو تلك الروايات التي ذكرت الأعداد الضخمة والتي أوصلها بعضهم إلى 900 قتيل.

فلا بد أولا من التمييز بين الروايات حول الحدث من حيث نوعية المصادر وطبيعتها:

ـ الوثيقة/المصدر الأول هو القرآن الكريم.

ـ كتب الحديث النبوي مع مراعاة ترتيبها.

ـ كتب السير والمغازي والتفسير والتاريخ.

وقد يسارع أصحاب نظرية الإبادة إلى القول بأننا نتخير من الروايات ما يعجبنا وما يلمع صورة الإسلام وشخصية رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ونرد ونرفض غيرها مما يتعارض مع هوانا ورغبتنا.

وهنا لابد من التمييز بين طريقتين اثنيتن في التعامل مع الروايات:

ـ طريقة (ولا أقول منهج لأنه لا يوجد منهج أصلا) الانتقاء العشوائي التي يحكمها ويقودها ما تم تسطيره سلفا من الأحكام والمواقف الجاهزة.

ـ منهج جمع الروايات من جميع مصادرها ثم دراستها في ضوء ثوابت القرآن وما يقتضيه العقل والمنطق وفق قواعد وضوابط تم وضعها وتأسيسها بناء على تراكم التجارب والخبرات العلمية والمعرفية في الميدان ليس هنا مجال بسطها.

إن المسلمين وضعوا هذا المنهج ـ بقواعده وخطواته ـ في التعامل مع الرواية نقدا وقبولا وردا، وقد نناقش هذا المنهج في بعض تفاصيله وتكون لدينا بعض الملاحظات حوله، لكنه على الأقل يوجد منهج متكامل (ولا أقول كامل)، لكن أصحابنا القائلين بنظرية الإبادة لا يوجد لديهم منهج بالمرة، فقاعدتهم الوحيدة هي البحث عن أي خبر أو رواية تتضمن تشويها أو إساءة لصورة الرسالة الإسلامية وصاحبها، وهذا ما أطلق عليه المفكر المصري فهمي هويدي "البحث في القمامة" في كتابه (تزييف الوعي):

"أحدهم[12]استكثر أن يكون للأمة (سلف صالح)، فكتب مقالا مرجعه الوحيد فيه مختلف صناديق القمامة في التاريخ الإسلامي، إذ أفادنا بأن سعد بن أبي وقاص خامس السابقين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة وقائد جيوش فتح فارس لم يكن يحسن الصلاة !!...وعندما لقيته في إحدى المناسبات سمعته يقول إنه يشعر بالفرح والغبطة عندما يعثر في كتب التاريخ على مثالب هؤلاء التي تدلل على أنهم بشر مثلنا، لهم ضعفهم وأخطاؤهم، وأنهم ليسوا بالمثالية أو النورانية التي يحاول البعض أن يحيطهم بها."[13].

ويقول في موضع آخر: "وقبل أن نعرض نماذج من قمامات التاريخ ونفاياته، التي تصيدها رواد التطرف العلماني وحشوا بها كتبهم الأربعة التي بين أيدينا، ننبه إلى أننا إذا رفضنا تسويد صفحة التعاليم والتاريخ الإسلاميين، فإننا نرفض بنفس القدر منطق التبييض والتجميل غير المبرر. فإذا انتقدنا مدرسة البحث في قمامة التاريخ، فلا بد لنا أن ننتقد دعاة دغدغة المشاعر وتزيين الأحلام الوردية، والإيهام بأن تعاليم الإسلام لها مفعول السحر، ومجتمعه مصنع الملائكة وتاريخه لم يكن سوى نزهة ربيعية مسطورة بحروف من ذهب في سِفْر الهناء والمجد.

إن الأولين يخطئون عندما يحاولون تزييف الوعي، والآخرين يحاولون تغييب الوعي، وما يقوم به هؤلاء وهؤلاء من قبيل الغلو المنكور."[14].

إن الذي يملك منهجا واضحا ـ ولو كان فيه شيء من القصور البشري ـ ويستخدمه في تفكيره وتناوله لقضية أو ظاهرة ما، حتى وإن أخطأ في ما انتهى إليه من نتائج، هو أفضل بكثير ومُقَدّم  على من يعتمد الفوضى أو الهوى حتى وإن أصاب. (الخطأ المنهجي أفضل من الصواب الفوضوي).

ويجب ـ هاهنا ـ أن نعترف بوجود خلل واضح في منهج التعامل مع السير وأحداث التاريخ في تراثنا، حيث لم يتعامل العلماء مع أحداث السيرة بنفس الصرامة والشدة التي تعاملوا بها مع أحاديث الأحكام والسنن، ولربما نظر القدماء على أن وجود روايات ضعيفة أو حتى موضوعة ومن الإسرائيليات قد لا تضر في زمانهم، لكن هذا الأمر أصبح الآن يشكل خطورة على الدين كله، لهذا وجب مراجعة هذا الخلل وإصلاحه، إذ هو النافذة التي دخل منها المستشرقون وتلامذتهم في محاولاتهم تشويه صورة التاريخ الإسلامي وتسويد صفحته، حيث يسارعون إلى اعتماد أي رواية أو خبر وجدوه في كتب السير أو التفسير أو التاريخ باعتبار أن ناقلها ثقة، متجاهلين أن كونه ثقة لا يستلزم بالضرورة أن تكون روايته في التفسير أو السيرة صحيحة موثقة بسبب المنهج الذي اتبعوه في التساهل والليونة مع مثل هذه الأخبار، فالبخاري ـ مثلا ـ في صحيحه ليس هو البخاري في الأدب المفرد أو في تاريخه. وقد أورد الحاكم في مستدركه عن عبد الرحمن بن مهدي قوله : " إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد."

إن الروايات كلها مجمعة على الحدث في حد ذاته ( غزوة بني قريظة) من حيث وقوعه ووجوده التاريخي، لكن تفاصيل الحدث وماجرياته حولها خلاف واضطراب،خصوصا ما يتعلق بمن قُتل؟ وكيف قُتل؟ وعدد من قُتل؟

فالذي يوجد في البخاري ومسلم أن الذين قُتلوا هم المُقاتِلة أي الذين يقاتلون، ولا توجد أي إشارة فيهما ـ لا من قريب ولا من بعيد ـ لعدد الذين قُتلوا، كما لا توجد أي إشارة أيضا إلى تنفيذ القتل ومن باشره خلافا لما يوجد في مصادر أخرى سواء منها كتب الحديث أو السير أو التفسير أوالتاريخ، فقد ورد فيها ـ أي هذه المصادرـ أن من قُتل لم يكن المُقاتلة وحدهم بل كل من أنبت (أي ظهرت عليه علامة البلوغ)، وذكروا روايات عديدة متضاربة حول عدد من قُتِل.

ففي سيرة ابن هشام أن ابن إسحاق ذكر من غير سند أن عدد من قُتلوا من بني قريظة كانوا 600 أو 700 وأن بعضهم بالغ فجعلهم ما بين 800 إلى 900، " ... وهم ستمائة أو سبعمائة، والمُكثر لهم يقول: بين الثمانمائة والتسعمائة."[15]، وأغلب من جاء بعد ابن إسحاق ممن كتبوا في السيرة نقلوا عنه هذا الكلام.

وتحدث بعضهم عن العدد أربعمائة كما عند الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان[16].

وفي كتاب (الأموال) لابن زنجويه يتقلص العدد إلى أربعين قتيلا فقط، حيث يروي بسنده إلى ابن شهاب الزهري أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ غدا إلى بني قريظة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ فقضى بأن تقتل رجالهم وتقسم ذراريهم وأموالهم، فَقُتل منهم يومئذ أربعون رجلا.[17].

وهذا العدد هو الأرجحوهو الذي ينسجم مع منطق الأشياء حينما نجمع الروايات ونقارن بين ما جاء فيها، فإذا كانت رواية البخاري ومسلم تتحدث عن قتل المُقاتلة أو الرجال الذين يقاتلون، وروايات عديدة تقول بأن رسول الله ساق بني قريظة إلى المدينة وحبسهم في دار بنت الحارث  ـ وهي امرأة من بني النجار ـ فأي دار هذه التي ستتسع لتلك الأعداد الهائلة التي ذكرتها الروايات آنفا؟ ألا يبدو أن العدد أربعين هو العدد المعقول والذي قد تتسع له دار في المدينة؟ وقد أُثر عن عبد الله بن المبارك قوله: " إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض."

فإذا افترضنا جدلا أن تلك الأرقام الخاصة بالقتلى صحيحة ( 600 أو 700 أو 800 أو 900) فكم سيكون عدد بني قريظة في مجموعهم بنسائهم وأطفالهم وشيوخهم وغير القادرين على القتال؟ بالتأكيد سيكون بالآلاف، فهل يعقل أن يقود الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا العدد الهائل إلى المدينة لمسافة تتطلب مسيرة يوم تقريبا؟ هل هذا من الحنكة العسكرية لقائد خاض معارك وحروب سابقة وأبان عن ذكاء وخبرة في هذا المجال؟ هل يعقل أن هذا الجمع الغفير الهائل لا تظهر لديه ـ خلال الطريق ـ أي محاولة للتمرد أو المقاومة أو الفرار مع علم الجميع ويقينهم بالمصير الذي ينتظرهم؟ ألم يكن من الأجدى والأفضل ـ لو صحت روايات العدد الهائل ـ  قتلهم ودفنهم في الحصن عوض تبديد الجهد والعناء؟

والغريب أن ابن إسحاق الذي ذكر تلك الأعداد من غير سند ـ ونقلها عنه من جاء بعده ـلميذكر من أسماء هؤلاء القتلى إلا بضعة أسماء والشيء نفسه لدى السهيلي في الروض الأنف[18]، مع أن ابن إسحاق هذا ـ في باقي الغزوات ـ يذكر لك القتلى بأسمائهم وقبائلهم وكيف قُتِلوا وأين قُتلوا ... !!!

إن أصحاب نظرية الإبادة يتعمدون عدم الوقوف عند مسألة مهمة في الحدث ويقفزون عليها مباشرة إلى الحديث عن تنفيذ القتل ووصفه بالجريمة البشعة والإبادة الجماعية لطائفة يهودية، لقد كان في إمكان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يصدر الحكم هو بنفسه بوصفه الحاكم لمجتمع المدينة بما فيه اليهود أنفسهم بموجب المعاهدة، ولكنه ترك الأمر لرجل من الأوس ـ حلفاء بني قريظة ـ وهو سعد بن معاذ رضي الله عنه، وقد رضي به بنو قريظة حَكَماً.

وقبل هذا فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان قد فتح الباب لبني قريظة لمن شاء منهم أن يَبْرَأَ من الخيانة وينجوبنفسه من العقاب، وبالفعل فقد خرج منهم عمرو بن سُعدى وقال فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : "ذاك رجل نجاه الله بوفائه."[19]، ومنهم ثعلبة بن سُعَيَّة وأُسَيْد بن سُعَيَّة وأسد بن عبيد[20].

وبهذا يتبين أن الجريمة ثابتة لا شبهة فيها بأدلتها وباعتراف أصحابها، بل وبإصرارهم عليها، وقد يطرح هاهنا سؤال:

لماذا لم يتعامل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع بني قريظة بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع بني قينقاع وبني النضير حيث اكتفى بإجلائهم ونفيهم عن المدينة، وهم أيضا يهود قد صدرت منهم خيانة العهد؟

إن جريمة بني قريظة لم تتعلق فقط بنقض العهد ونبذه، بل كانت الجريمة مركبة ومنظمة فيها نقض العهد والخيانة والتآمر على الوطن زمن الحرب بتقديم كل أشكال الدعم للعدو. فما الذي ينتظره أصحاب نظرية الإبادة بعد كل هذا؟

ونختم هذه الدراسة بتساؤل مهم للغاية، ينسف نظرية الإبادة من أساسها، وينفي وجود مذبحة أو مجزرة تعرض لها اليهود على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

إذا كانت المجزرة أو المذبحة قد وقعت فعلا بالشكل الذي يصوره ويُسَوِّقُه لنا أصحاب نظرية الإبادة، فلماذا لا نجد لهذا الحدث ذكرا من قريب أو بعيد في أي من المصادر اليهودية التاريخية، مع أن اليهود معروفون في التاريخ ـ قديما وحديثا ـ أنهم حريصون جدا على تدوين وتسجيل جميع المآسي والنكبات التي مرت بهم، بل إنهم ـ في أكثر الأحيان ـ يحاولون تضخيم أي حدث ولو كان في حجم القشة.

فهذا صمويل أوسك[21]Samuel Usqueكتب كتابا بعنوان ( عزاء لمحن أو بلايا بني إسرائيل) CONSOLATIONFOR THETRIBULATIONS OF ISRAEL حاول فيه أن يجمع ويدون كل ما مَرَّ بشعب بني إسرائيل من محن ومصائب وكوارث منذ القديم إلى حدود زمانه، ولم يأت أبدا على ذكر شيء اسمه حادثة أو مجزرة أو جريمة وقعت ضد اليهود في المدينة.

كما أنه قد مر في تاريخ الإسلام الكثير من المفكرين والفلاسفة والحاخامات اليهود الذين عاشوا في ظل الحضارة الإسلامية سواء في الأندلس أو في المشرق وكانوا مهتمين بدينهم وبتاريخهم وبكل عناصر الهوية اليهودية،وكتبوا في ذلك كتبا كثيرة، بل وكان لبعضهم مناظرات مع المسلمين، ولم يذكر أي واحد منهم كلمة عن شيء اسمه مجزرة أو مذبحة ضد اليهود من طرف الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في المدينة، أذكر من هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر: سعديا الفيومي[22]، ابن النغريلة[23]، أبراهام بن عزرا[24]، ابن ميمون[25]، ابن كمونة[26]، يهودا اللاوي[27] ... وحتى مؤسسة رأس الجالوت[28] والتي تعنى بالجاليات اليهودية وأوضاعها لم يرد عنها شيء عن وجود جريمة أو مجزرة ضد اليهود في المدينة على زمن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم.

 


[1] ـ وفي هذه الآية قد يعترض بعض من يجهل العربية وأساليب العرب في التعبير والتبليغ، فيقول: إن الآية تتحدث عن وجوب الاعتداء (... فاعتدوا عليه)، وهذا من باب ما يعرف في البلاغة في علم البديع بأسلوب المشاكلة، وهو ذكر معنى لفظ بغيره لوقوعه في صحبة ذلك الغير وقوعا محققا أو مقدرا، فلفظ (الاعتداء) الأول في الآية  يقصد به معناه الحقيقي، أما اللفظ الثاني فهو رد العدوان، وقد ورد في القرآن الكثير من أمثلة المشاكلة (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) مع أن لله تعالى لا يجوز أن نقول في حقه أن له نفس، وإنما المقصود سره سبحانه، وقوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فالسيئة الثانية جزاءوليست سيئة بل هي عقاب على السيئة، وقوله تعالى (ويمكرون ويمكر الله) إلى غير ذلك من أمثلة المشاكلة في القرآن، ومن المشاكلة في قول العرب ما روي عن بعضهم:

قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه *** قال: اطبخوا لي جُبّةً وقميصا.

 لكن بعض من يجهل ذلك يسارع إلى إصدار الأحكام ظنا منه أنه ظفر في القرآن بما يدينه، فمثله كمثل العطشان الذي ظن السراب ماء فلما وصله لم يجد هنالك شيئا.

[2] ـ انظر هذه الوثيقة في مختلف مصادر ومراجع السيرة النبوية قديمها وحديثها، أو انظر كتاب (مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. تأليف محمد حميد الله. دار النفائس، الطبعة الخامسة 1405ه ـ 1985. ص: 57 وما بعدها.) يقول مونتجومري وات عن هذه الوثيقة: " اعتبرت هذه الثيقة على العموم صحيحة وإن لم يعط الأهمية التي يستحقها نص من هذا النوع. ولقد عرض فلهوزن أسباب الصحة ولم يكن بإمكان أي مزور في عصر الأمويين أو العباسيين أن يضم غير المسلمين إلى الأمة الإسلامية، أو يحتفظ ببنود ضد قريش، ويجعل لمحمد هذه المكانة المتواضعة. كما أن أسلوب الوثيقة وبعض تعابيرها كاستعمال كلمة (المؤمنين) للدلالة على المسلمين يرجع إلى الفترة الأولى المدنية." مونتجومري وات. (محمد في المدينة) ترجمة شعبان بركات. منشورات لمكتبة العصرية ـ صيدا ـ بيروت. ص: 342.

[3] ـ حينما ذهب إليهم ليكلمهم في مسألة دية الرجل أو الرجلين من بني عامر الذين قتلهما أحد الصحابة خطأ، وبنو النضير كانوا حلفاء لبني عامر.

[4] ـ يذكر البعض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد سبهم وشتمهم بقوله : " يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟" لكن هذا الحديث لا يصح أبدا أخرجه ابن إسحاق عن الزهري مرسلا، ورواه الحاكم من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف. وحتى ذلك الحديث الذي يتردد على ألسنة البعض " ما خلا يهودي بمسلم قط إلا هَمَّ بقتله." فهو شديد الضعف أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد وقال عنه: حديث غريب جدا.

[5] -  Sir William Muir. The life of Mahomet from original sources,  London.  Smith, Elder, & Co, 15 Waterloo Place, 1878.  P: 328 – 329.

[6] ـ مقال بعنوان ( السيرة الدموية الشريفة) مهند زكي. موقع مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي. www.ssrcaw.org

[7]ـ مقال بعنوان ( غزوة بني قريضة الجريمة البشعة) علي سعداوي.https://117n.blogspot.com/2012/01/blog-post_18.html

[8] ـ نفسه.

[9] ـ مونتجومري وات. (محمد في المدينة) ترجمة شعبان بركات . ص:334.

 

[10] ـ مونتجومري وات. (محمد في المدينة) ترجمة شعبان بركات. ص:318.

 

[11] ـ مونتجومري وات. (محمد في المدينة) ترجمة شعبان بركات. ص: 330 ـ 331.

 

[12] ـ يقصد الكاتب حسين أمين في مقالة له بعنوان (حقيقة السلف الصالح) في كتاب له بعنوان (حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة) ص: 110.

[13] ـ فهمي هويدي. تزييف الوعي. دار الشروق، الطبعة الثالثة 1999. ص: 35.

[14] ـ نفسه. ص: 36.

[15] ـ ابن هشام. سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. دار الفكر. ج/3 ـ ص: 259.

[16] ـ الإمام أحمد في مسند جابر بن عبد الله رقم الحديث ( 14773)، وسنن الترمذي (1582)، والنسائي في السنن الكبرى (7679)، وابن حبان في صحيحه (4784) و (6083). وهذا لفط الرواية عن جابر كما جاءت في الترمذي عن جابر ابن عبد الله رضي الله :" رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ ، فقطعوا أكحله ، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار ، فانتفخت يده ، فحسمه أخرى ، فانتفخت يده ، فنزفه ، فلما رأى ذلك ، قال: اللهم لا تخرج نفسى حتى تقر عينى من بنى قريظة ، فاستمسك عرقه ، فما قطر قطرة ، حتى نزلوا على حكم سعد ، فأرسل إليه ، فحكم أن تقتل رجالهم ، ويستحى نساؤهم وذراريهم ، ليستعين بهم المسلمون ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصبت حكم الله فيهم ، وكانوا أربعمائة ، فلما فرغ من قتلهم ، انفتق عرقه فمات)

[17] ـ حميد بن زنجويه ( 251 ه) كتاب الأموال. تحقيق الدكتور شاكر ذيب فياض. الطبعة الأولى 1407/1986. مركز فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. ج/1 ـ ص: 299. رقم الحديث (461).

[18] ـ انظر القصة في سيرة ابن هشام ج/3 ـ من ص: 252 إلى ص: 274. والروض الأنف للسهيلي ج/3 ـ من ص: 436 إلى ص: 458.

[19] ـ سيرة ابن هشام. ج/3 ـ ص : 257.

[20] ـ انظر قصة هؤلاء الثلاثة في سيرة  ابن هشام. ج/1 ـ ص: 232 ـ233.

[21] ـ صمويل أوسك ولد في لشبونة بالبرتغال حوالي 1500م وتوفي بإيطاليا أو فلسطين (يوجد خلاف حول مكان وفاته) بعد 1555م ، من الكتاب اليهود السفارديم الذين استقروا ب (فيرارا) في إيطاليا. أهم أعماله الكتاب الذي أشرنا إليه، وهو مترجم للغة الإنجليزية. يرجع إليه الفضل في صك لقب (أم إسرائيل) لمدينة سالونيك اليونانية. وكان معاصرا للمؤرخ والفلكي اليهودي السفاردي أيضا شلومو بن فرجا שלמה אבן וירגהSolomon ibn Verga

[22] ـ هو أبو يعقوب سعيد بن يوسف الفيومي ( 268 ه ـ 330 ه) حاخام وفيلسوف ولغوي يهودي مصري غزير التأليف في ميادين متنوعة من كتبه : التاج ـ جامع الصلوات والتسابيح...

[23] ـ هو شموئيل اللاوي بن يوسف الناجيد (حوالي 380 ه ـ 450 ه) שמואל הלוי בן יוסף הנגידوعرف بالعربية باسم إسماعيل بن النغريلة شاعر ولغوي وسياسي وعسكري ورجل دين. ألف كتابا عن الشريعة اليهودية سماه (كتاب الشريعة الكبيرة) اقتبسه من التلمود الأورشليمي والتلمود البابليومن الكتاب القديم الذي ألفه الحاخام أحاي رئيس مدرسة «فم بديثا» العراقية في القرن الثامن الميلادي، واستعمل ابن نغريلة في تأليفه اللغة العربية وبالحروف العبرية أما الشواهد فقد كانت بالآرامية والعبرية، ونُشر الكتاب في الأندلس عام 1049م، وقد ذكر سليمان بن جبيرول بأن ابن نغريلة استطاع بهذا الكتاب نقل مركزَ الديانة اليهودية من بغداد إلى الأندلس. وللإمام ابن حزم رسالة في الرد على ابن النغرريلة وهي مطبوعة.

[24] ـ هو إبراهيم بن مائير بن عزرا אברהם בן מאיר אבן עזרא ( حوال 485 ه ـ 560 ه) الحاخام الفيلسوف المعروف بِ (أبنيزرا). برع ابن عزرا في الفلسفة وعلم الفلك والتنجيم والطب والشعر وعلم اللغات والتفسير، ولذلك لقب بالحكيم وبالكبير وبالطبيب الماهر. من مؤلفاته (موزناييم ) أي الموازين أو المقاييس، و (زاهوت) أي التصحيح وهما كتابان في قواعد اللغة العبرية. كما يعد أحد كبار مفسري التوراة. وقد استلهم منه سبينوزا بعض أفكاره في نقد الكتاب المقدس.

[25]ـ هو أَبُو عَمْرَان مُوسَى بْن مَيْمُون بْن عُبَيْد ٱللّٰه ٱلْقُرْطَبِيّ מֹשֶׁה בֶּן־מַיְמוּן الطبيب الفيلسوف المشهور والحاخام الكبير الذي لقبه اليهود بموسى الثاني، من أهم كتبه (دلالة الحائرين) و ( مشناه توراه) و (اختصار الكتب الستة عشر لجالينوس).

[26] ـ هو عز الدولة سعد بن منصور البغدادي المتوفى حوالي 683 ه طبيب وفيلسوف ورجل دين وصاحب كتاب (تنقيح الأبحاث للملل الثلاث)،  وصفه ابن الفوطي في (تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب) بقوله: "... الإسرائيلي البغدادي الحكيم الأديب، كان عالما بالقواعد الحكمية والقوانين المنطقية، مبرزا في فنون الآداب، وعيون النكت الرياضية والحساب، وشرح كتاب  الإشارات لابن سينا وكان يهوديا معروفا بيهوديته، ويقصده الناس طلبا للحكمة ومن كتبه: الجديد في الحكمة، شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا، وشرح التحصيلات للسهروردي، ورسالة في خلود النفس....

[27] ـ هو الحاخام يهوذا بن شموئيل اللاوي الأندلسي عاش مابين ( 465 ه ـ 535 ه) وشهرته أبو الحسن يهوذا اللاوي، أو يهوذا هاليفي هو طبيب وفيلسوف وشاعر يهودي أندلسي، وهو صاحب كتاب( الحجة والدليل في نصرة الدين الذليل)، والذي تكلم فيه عن شعب الله المختار وحقهم في أرض المقدس.

[28] ـ رأس الجالوت ראשהגלות (روش هجالوت) وهو مأخوذ من الآرامية רישגלותא (ريش جالوتا) ومن معاني كلمة גלות العبرية ترحيل، إبعاد، اغتراب، وقد أطلق هذا اللقب (رأس الجالوت) على الحاكم على اليهود بعد خراب بيت المقدس.منذ أن استقر اليهود في بابل بعد سبي نبوخذنصر، كانوا يوكلون أمرهم إلى عميد يرجعون إليه في أمورهم وينيطون به تنظيم شؤون جماعاتهم الغفيرة، وكان اليهود يطلقون على هذا العميد لقب رأس الجالوت، ومن مهامه الإشراف على أمور طائفته وسير إدارتها وتعيين قضاتها وتعيين مقدار الضرائب ورعاية الأيتام اليهود وتحرير من سبي أو استعبد من اليهود ...الخ. وكان المسلمون يسمون رأس الجالوت (سيدنا ابن داود) لأن بيده وثيقة تثبت انتهاء نسبه إلى الملك داود. ويرى الباحثون بأن منصب رأس الجالوت كان موجودا حتى نهاية عام 1400م.

 

 



 

الاسم* :
البريد الالكتروني * :
 
2599
أنقل الرمز أعلاه * :
التعليق* :
 
(*) ملء جميع الخانات
24 ساعة
 
محمد مشالي :طبيب الفقراء، هند غانم
[ قراءة المقال ]
 
شتان بين الثرى والثريا! بقلم حذيفة الحجام
[ قراءة المقال ]
 
ما أحلى عيش الحرية..
[ قراءة المقال ]
 
بين الأمن الصحي والانهيار النفسي والاقتصادي : مقاربة للحل الأنجع
[ قراءة المقال ]
 
الصوم عن اللغو .. بقلم إبراهيم بداني
[ قراءة المقال ]
تواصل معنا
للبحث عن وظيفة
 
Abdeltif berrahou: Le sentier de la gloire
[ قراءة المقال ]
 
ABDELTIF BERRAHOU : LES BIENFAITS DE LA LECTURE
[ قراءة المقال ]
 
CORONA VIRUS CET INFAME.. ABDELTIF BERRAHOU
[ قراءة المقال ]
 
Point de vue par ABDELTIF BERRAHOU
[ قراءة المقال ]
هنا وجدة.. منبر إلكتروني شامل | المدير المسؤول : محمد السباعي | الايميل : mohsbai@gmail.com